ابن رشد

150

الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة

فجاء ثالث فتأول في أدوية ذلك المركب ، غير التأويل الأول والثاني ، فعرض للناس من ذلك نوع ثالث من المرض غير النوعين المتقدمين . فجاء متأوّل رابع ( 45 / و ) فتأول دواء آخر غير الأدوية المتقدمة ، فعرض منه للناس نوع رابع من المرض غير الأمراض المتقدمة . فلما طال الزمان بهذا المركب الأعظم وسلط الناس التأويل على أدويته ، وغيّروها وبدلوها ، عرض منه للناس أمراض شتى ، حتى فسدت المنفعة المقصودة بذلك الدواء المركب في حق أكثر الناس . [ 159 ] وهذه هي حال هذه الفرق الحادثة في هذه الشريعة مع الشريعة . وذلك أن كل فرقة منهم تأولت في الشريعة تأويلا غير التأويل الذي تأولته الفرقة الأخرى وزعمت أنه الذي قصده صاحب الشرع ، حتى تمزق الشرع كل ممزق ، وبعد جدا عن موضعه الأول . [ 160 ] ولما علم صاحب الشرع صلى اللّه عليه وسلم أن مثل هذا يعرض ولا بد ، في شريعته ، قال : " ستفترق أمتي على اثنتين وسبعين فرقة ، كلها في النار إلا واحدة " . يعني بالواحدة : التي سلكت ظاهر الشرع ولم تؤوله تأويلا صرحت به للناس . وأنت إذا تأملت ما في هذه الشريعة في هذا الوقت من الفساد العارض فيها من قبل التأويل تبينت أن هذا المثال صحيح . « 45 » [ 9 - الغزالي أضرّ بالحكمة وبالشريعة معا ] [ 161 ] وأول من غيّر هذا الدواء الأعظم هم الخوارج ، ثم المعتزلة بعدهم ، ثم الأشعرية ، ثم الصوفية ، ثم جاء أبو حامد فطمّ الوادي على القرى . وذلك أنه صرح بالحكمة كلها للجمهور ، وبآراء الحكماء ، على ما أداه إليه فهمه . وذلك في كتابه الذي سماه ب " المقاصد " « 46 » فزعم أنه إنما ألف هذا الكتاب للرد عليهم . ثم وضع كتابه المعروف ب " تهافت الفلاسفة " « 47 » ، فكفرهم فيه في مسائل ثلاثة ، من

--> ( 45 ) هنا روح إصلاحية واضحة . انظر المقدمة التحليلية . ص 73 . ( 46 ) كتاب " مقاصد الفلاسفة " شرح فيه الغزالي آراء الفلاسفة في المنطق والطبيعيات والإلهيات تمهيدا للرد عليها في كتابه " تهافت الفلاسفة " . انظر " فصل المقال " ، المقدمة التحليلية ، القسم الثاني ، فقرة 2 . والنص . فقرة : 30 وما بعدها . ( 47 ) كتاب " مقاصد الفلاسفة " شرح فيه الغزالي آراء الفلاسفة في المنطق والطبيعيات والإلهيات تمهيدا للرد عليها في كتابه " تهافت الفلاسفة " . انظر " فصل المقال " ، المقدمة التحليلية ، القسم الثاني ، فقرة 2 . والنص . فقرة : 30 وما بعدها .